رحلوا وبقي الأثر.. حكايتان عن طيبة القلوب ووجع الفقد
بقلم: كابتن موسى بهبهاني
هناك أشخاص يرحلون عن دنيانا، لكنهم يتركون خلفهم أثرًا لا يمحوه الزمن، وذكريات تبقى حاضرة في القلوب مهما طالت السنوات. قد يغيب الجسد، لكن تبقى المواقف الطيبة والكلمات الصادقة والسيرة الحسنة شاهدة على ما كان يحمله الراحلون من محبة ونقاء.
وفي هذه الحياة، لا نملك إلا أن نتقبل قضاء الله وقدره، وأن نستذكر من فقدناهم بما تركوه في نفوسنا من أثر طيب، فالموت حق، والفراق موجع، ولا شيء يخفف وطأته سوى الإيمان والصبر والرضا بقضاء الله سبحانه وتعالى.
علي عبدالصمد الجزاف (بو سارة).. رحيل موجع وأثر لا يُنسى
كان علي عبدالصمد الجزاف، المعروف بـ«بو سارة»، شابًا طيب القلب، متواضعًا، محبًا للحياة، يسعى ويجتهد في عمله، ويحمل في داخله روحًا متفائلة وأملًا بغدٍ أفضل. كان من أولئك الذين يتركون انطباعًا طيبًا لدى كل من يعرفهم، ببساطتهم وأخلاقهم وحسن تعاملهم مع الآخرين.
وقد ازدادت قسوة الفقد حين نعلم أن عليًا كان قد تزوج في عام 2025، ورُزق بابنته سارة التي لم تكن قد أكملت ستة أشهر من عمرها حين رحل عن هذه الدنيا. طفلة صغيرة فقدت والدها في بداية حياتها، وأبٌ لم يمهله القدر طويلًا ليعيش معها تفاصيل العمر، ويرى خطواتها الأولى ويشاركها أفراحها وأحلامها.
ولا تزال لحظات تلقي خبر وفاته حاضرة في الذاكرة؛ حين وصلني الخبر من والده «بو محمد»، ذلك الخبر الذي يحمل من الوجع ما تعجز الكلمات عن وصفه. فخبر رحيل شاب في مقتبل العمر ليس أمرًا سهلًا، ولا سيما حين يكون خلفه أبٌ وأمٌّ وأهل وأحبة، وطفلة صغيرة كانت أحوج ما تكون إلى وجوده بجانبها.
ولعل فقد الأبناء من أشد الابتلاءات التي قد يمر بها الإنسان، وهو وجع لا يعرف عمقه إلا من عاشه. وقد عرفت شيئًا من هذا الألم حين فقدت ابني مهدي، فالفقد لا ينتهي بانتهاء مراسم العزاء، ولا تغيب معه الذكريات؛ بل تبقى تفاصيل صغيرة تعود إلى القلب بين حين وآخر، لتذكّرنا بأن من نحبهم قد يغيبون عن أعيننا، لكنهم لا يغيبون عن أرواحنا.
إن فقد الأبناء يغيّر شيئًا في داخل الإنسان، ويجعله أكثر إدراكًا لقيمة اللحظات التي تجمعه بأهله وأحبته. كما يجعله يدرك أن الحياة مهما امتدت تبقى قصيرة، وأن ما نزرعه في نفوس أبنائنا من أخلاق وقيم ومحبة هو من أعظم ما نتركه لهم.
ولذلك، فإن مسؤوليتنا تجاه أبنائنا لا تقتصر على توفير احتياجاتهم المادية، بل تمتد إلى تربيتهم على حسن الخلق، والرحمة، والتواضع، واحترام الآخرين، ومساعدة المحتاج، وترك الأثر الطيب أينما كانوا. فالأخلاق هي الإرث الذي يبقى، والسيرة الحسنة هي الذكرى التي تتناقلها الأجيال.
رحم الله عليًا، وأسكنه فسيح جناته، وألهم والديه وأهله ومحبيه الصبر والسلوان، وحفظ ابنته سارة، وجعلها قرة عين لأهلها، وأحاطها برحمته ولطفه.
عماد عزت أبو اليزيد (بو فارس).. غربةٌ انتهت وبقيت السيرة الطيبة
أما الحكاية الثانية، فهي حكاية عماد عزت أبو اليزيد، المعروف بـ«بو فارس»، وهو من المقيمين الذين عاشوا في الكويت، وعُرفوا بين الناس بحسن الخلق والاحترام والتعامل الطيب.
كان يعمل في بيع بعض البضائع، ويتنقل بها بين الديوانيات، حيث لم تكن علاقاته بالناس قائمة على البيع والشراء وحدهما، بل على المودة وحسن المعاملة والكلمة الطيبة. وقد استطاع بأسلوبه المهذب وكرامته وعزة نفسه أن يكسب احترام من عرفوه وتعاملوا معه.
فالغربة ليست مجرد ابتعاد الإنسان عن وطنه وأهله، بل هي رحلة طويلة يبحث فيها عن الرزق والاستقرار، ويصنع خلالها علاقات وذكريات في المكان الذي يعيش فيه. وهناك من يمر في حياة الآخرين مرورًا عابرًا، وهناك من يترك أثرًا يجعل الناس يذكرونه بكل خير حتى بعد رحيله.
وكان «بو فارس» من الذين عرفهم الناس بأخلاقهم الطيبة وبساطتهم، فاحترام الإنسان لا يرتبط بجنسيته أو ماله أو مكانته، وإنما بما يحمله من أخلاق، وما يقدمه من مواقف، وما يتركه في نفوس الآخرين من انطباع حسن.
إن السيرة الطيبة لا تحتاج إلى منصب أو شهرة حتى تبقى، بل يكفي أن يكون الإنسان صادقًا في تعامله، كريمًا في أخلاقه، محترمًا للآخرين، محافظًا على كرامته. وهذه الصفات هي التي تجعل ذكر الإنسان حاضرًا في المجالس والقلوب، حتى بعد أن يغادر الدنيا.
رحم الله عماد عزت أبو اليزيد، وغفر له، وأسكنه فسيح جناته، وجزاه خيرًا على ما تركه من ذكرى طيبة لدى من عرفوه.
ما يبقى بعد الرحيل
قد تختلف حكايات الراحلين، وتتباين ظروف حياتهم، لكن ما يجمعهم هو الحقيقة التي لا مفر منها: أن الإنسان مهما طال به العمر، لا يأخذ معه من الدنيا شيئًا سوى عمله، وأن ما يتركه خلفه من أثر طيب قد يكون أعظم من كل ما جمعه في حياته.
نحن لا نملك أن نختار أعمارنا، ولا نعرف متى يحين الرحيل، لكننا نملك أن نختار كيف نعيش، وكيف نتعامل مع الناس، وما الذي نتركه في قلوبهم من ذكرى. فقد ينسى الناس كثيرًا من التفاصيل، لكنهم لا ينسون من واساهم في حزنهم، أو وقف إلى جانبهم في محنتهم، أو منحهم كلمة طيبة في وقت كانوا بأمسّ الحاجة إليها.
ولعل أعظم ما نتعلمه من رحيل الأحبة هو ألا نؤجل المحبة، وألا نبخل بالكلمة الطيبة، وألا نترك خلافات الحياة الصغيرة تحجب عنا قيمة من نحب. فالحياة أقصر من أن نملأها بالخصام، وأثمن من أن نهدرها في القسوة والجفاء.
علينا أن نقترب من أهلنا، وأن نحتضن أبناءنا، وأن نبر والدينا، وأن نحفظ الود مع أصدقائنا وجيراننا، وأن نعامل الناس بما نحب أن يعاملونا به. فربما تكون كلمة صادقة أو موقف نبيل هو آخر ما يبقى في ذاكرة إنسان عنا.
رحل علي، ورحل عماد، ولكل منهما حكايته وظروفه وذكرياته، لكنهما تركا أثرًا في نفوس من عرفوهما. وبين وجع الفقد ومرارة الغياب، تبقى السيرة الطيبة عزاءً لأهل الراحل ومحبيه، وشهادةً على أن الإنسان يستطيع أن يترك في هذه الدنيا ما يتجاوز عمره.
رحم الله موتانا وموتى المسلمين، وجبر قلوب كل من فقد عزيزًا، وربط على قلوب الآباء والأمهات الذين ذاقوا مرارة فراق أبنائهم، وألهم الجميع الصبر والسلوان.
إنا لله وإنا إليه راجعون.
رحلوا، لكن الأثر بقي.. وستبقى الذكرى الطيبة حياةً أخرى في قلوب من أحبوهم وعرفوا قدرهم.

شكراً لمتابعتك لينا